عقد من التعاون الصيني-المصري
بقلم مشيرة جيوي
منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر عام 1956، سارت العلاقات الثنائية بخطى ثابتة ومستقرة.. انطلقت مسيرة الشراكة الاستراتيجية الشاملة في ديسمبر 2014، بالتزامن مع زيارة الرئيس السيسي إلى الصين ، وفي يناير 2016، تزامناً مع الذكرى الستين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية، زار الرئيس شي جين بينغ مصر، حيث وقع الجانبان "البرنامج الخماسي للشراكة الاستراتيجية الشاملة" ومذكرة تفاهم بشأن بناء "الحزام والطريق"، مما وضع إطارا تنفيذيا واضحا للتعاون. وخلال العقد الماضي، تواصلت اللقاءات المكثفة بين رئيسي البلدين، وفي عام 2024، عندما زار السيسي الصين مرة أخرى، أصدر الجانبان بيانًا مشتركًا بشأن تعميق شراكتهما الاستراتيجية الشاملة. وبفضل الدعم المتبادل في القضايا ذات الاهتمام المشترك، تلازم تعزيز الثقة السياسية مع التعاون العملي.
تُعد الثقة السياسية المتبادلة حجر الأساس لاستقرار العلاقات الصينية المصرية طويلة الأمد؛ إذ تتمسك مصر دائماً بمبدأ "صين واحدة" وتدعم الصين بحزم في قضاياها الجوهرية، بينما تحترم الصين باستمرار خيار مصر المستقل في مسار التنمية، وتدعم جهودها في الحفاظ على سيادتها وسلامة أراضيها، ودورها البناء إقليمياً ودولياً. وفي المحافل متعددة الأطراف، ينسق البلدان وثيقاً عبر منصات الأمم المتحدة ومجموعة "بريكس" ومنتدى التعاون الصيني الإفريقي، للدفاع المشترك عن مصالح الدول النامية. ومع انضمام مصر إلى مجموعة "بريكس" عام 2024، تعمق التنسيق الثنائي بشكل أكبر.
ويُعتبر التعاون الاقتصادي والتجاري والبنيوي المجال الأبرز نمواً خلال العقد الماضي. ومنذ عام 2013، حافظت الصين على مكانتها كأكبر شريك تجاري لمصر، حيث ارتفع حجم التجارة الثنائية من 10.21 مليار دولار إلى 20.79 مليار دولار بحلول عام 2025، وتعمل في مصر حالياً أكثر من 3000 شركة صينية. وخلال هذا العقد، تحولت صحراء تيدا السويس إلى نموذج صناعي رائد، استقطب حتى نهاية 2025 نحو 200 شركة وضخ استثمارات فعلية تفوق 3.8 مليار دولار، ليكون ذلك الرقم الأبرز في حصيلة 10 سنوات من الشراكة." ووفّرت نحو 10 آلاف فرصة عمل محلية بمعدل توطين تجاوز 95%، وبلغ إجمالي الضرائب والرسوم المدفوعة حوالي 310 ملايين دولار. وتشكلت فيها منظومة متكاملة تضم محوراً للتخزين واللوجستيات الجمركية، وثماني صناعات رئيسية تشمل مواد البناء الحديثة، ومعدات النفط، والمعدات الكهربائية ذات الجهد العالي والمنخفض، وتصنيع الآلات، والمنسوجات، والكيماويات، والطاقة المتجددة، والأجهزة المنزلية. كما سدت شركة "جوشي مصر" الفجوة المحلية في تكنولوجيا الألياف الزجاجية، وأنشأت شركة "مايديا" أول خط إنتاج ذكي لغسالات الأطباق في مصر، والتي أشاد بها رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي واصفاً إياها بـ "النموذج المثالي لتطوير المجمعات الصناعية في مصر".
وفي مجال البنية التحتية، يُعد مشروع "منطقة الأعمال المركزية" في العاصمة الإدارية الجديدة مشروعاً رئيسياً ضمن "خطة النهضة الوطنية" المصرية ومعلماً بارزاً للشركات الصينية، ويمتد على مساحة 505 آلاف متر مربع ويضم 20 مبنى شاهقاً ومرافق بلدية، بما في ذلك البرج الأيقوني الذي يرتفع 385.8 متر كأطول مبنى في إفريقيا. وفي مجال النقل، يُعد القطار الخفيف لمدينة العاشر من رمضان أول خط سكة حديد كهربائي خفيف في مصر وإفريقيا، بطول نحو 70 كيلومتراً يضم 12 محطة، ويربط وسط القاهرة بالمدن الجديدة شرقي العاصمة والعاصمة الإدارية الجديدة، مستفيداً منه أكثر من 5 ملايين نسمة ومخففاً من الأزمات المرورية. ومنذ تشغيله عام 2022، قدم دعماً حيوياً لاستراتيجية مصر "نحو الشرق". وفي مجال الفضاء، نجح إطلاق القمر الصناعي "مصر سات-2" المطور بتعاون مشترك، لتصبح مصر الدولة الإفريقية الأولى التي تمتلك قدرات متكاملة لتجميع ودمج واختبار الأقمار الصناعية.
أما تعاون الطاقة المتجددة، فقد برز بقوة في السنوات الأخيرة. فبفضل موارد الطاقة الشمسية والريحية الهائلة، تدفع مصر قدماً نحو التحول الطاقي، وتشارك الشركات الصينية بعمق في هذا المسار لتضاف مشروعات الطاقة النظيفة إلى قائمة الإنجازات التي حققها عقد الشراكة الاستراتيجية، مكملةً بذلك الدور الصناعي الرائد لمنطقة تيدا السويس."
حيث تنفذ شركات مثل "إينفيجن" مشروع مزرعة رياح كبيرة، وفي يونيو 2026، وقعت شركة "ساني" عقداً لإنشاء أول مصنع لتوربينات الرياح ومشاريع محطات الرياح المرتبطة به في مصر، بينما تتفاوض "شبكة الطاقة الجنوبية الصينية" مع الجانب المصري بشأن تطوير الشبكات الذكية لرفع قدرة استيعاب الطاقة المتجددة.
تساهم التبادلات بين الشعوب في تقريب قلوب الناس من كلا البلدين. إذ تواصل "حمى تعلم اللغة الصينية" تصاعدها، حيث أنشأت الجامعات المصرية حالياً 36 قسماً للغة الصينية، وثلاثة معاهد كونفوشيوس وفصلين دراسيين لكونفوشيوس، فضلاً عن تدريس الصينية كمادة اختيارية في 41 مدرسة إعدادية وثانوية، وإدراجها رسمياً ضمن نظام الثانوية العامة المصرية، لتكتمل منظومة تعليمية تمتد من المراحل المدرسية حتى الدكتوراه. كما تكتسب المسلسلات التلفزيونية الصينية شعبية متزايدة بين الجمهور المصري، ونظمت فعاليات لعروض الأفلام الصينية مراراً. ويقوم فريق أثري صيني مصري مشترك بإجراء عمليات تنقيب في هرم سقارة، ليجسد تواصل الحضارتين العريقتين في العصر الحديث.
خلال جائحة كورونا، كانت مصر أول دولة في إفريقيا تتعاون مع الصين لإنتاج اللقاح. وإلى جانب ذلك، تتواصل صادرات المنتجات الزراعية المصرية كالبرتقال والعنب إلى الصين، وتزدهر مشاريع معيشية مثل الاستزراع المائي وتربية الدواجن لتنعكس إيجاباً على حياة المواطنين المحليين.
عشر سنوات ختام لمرحلة، والأهم أنها بداية لتعاون جديد. ومع حلول عام 2026 الذي يصادف الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، تقف العلاقات الثنائية على أعتاب آفاق واسعة ومشرقة. وستمثل مجالات الاقتصاد الأخضر منخفض الكربون، والاقتصاد الرقمي، والتصنيع المتطور، وتكنولوجيا الفضاء، وأسواق الطرف الثالث، محركات أساسية للتعاون المستقبلي. وبالاعتماد على أطر التعاون الناضجة وأسس الثقة الراسخة، ستواصل الحضارتان العريقتان توسيع آفاق تعاونهما على أساس الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة، لكتابة فصل جديد لـ "عقد ذهبي" مقبل في مسيرة العلاقات الثنائية.

تعليقات
إرسال تعليق