الوينغ تشون لعائلة ياو يواصل مسيرة توارث ثقافة الكونغ فو

 الوينغ تشون لعائلة ياو يواصل مسيرة توارث ثقافة الكونغ فو

بقلم يانغ ينغ إعلامية صينية

 


مع الانتشار العالمي لسلسلة من الأعمال السينمائية والتلفزيونية حول فن الوينغ تشون، ومن بينها سلسلة أفلام "إيب مان"، تعرّف المزيد من المشاهدين حول العالم للمرة الأولى على هذا الفن القتالي التقليدي القادم من منطقة لينغنان الصينية.



في مدينة فوشان بمقاطعة قوانغدونغ، لا يمثل الوينغ تشون مجرد فن قتالي، بل جزءاً من الذاكرة الثقافية المحلية. ومن بين مدارس الوينغ تشون العديدة في المدينة، يبرز أسلوب "الوينغ تشون الثعباني" لعائلة ياو، الذي يمتد توارثه لأكثر من مئة عام.

يُعد ياو تشونغ تشيانغ الجيل الثالث من حَمَلة هذا الأسلوب الذي يعود أصله إلى جده ياو تساي. وبعد توارثه وتطويره عبر أجيال، تشكل نظام قتالي يتميز بتقنيات "اليد الثعبانية". بدأ ياو تشونغ تشيانغ تعلم الوينغ تشون في سن الخامسة، وبعد أكثر من نصف قرن من الممارسة، لا يزال مكرساً لتدريب وتعليم هذا الفن.

يقول ياو تشونغ تشيانغ إن رحلته مع الوينغ تشون بدأت في الخامسة من عمره واستمرت 57 عاماً، موضحاً أن هذا الفن كان في الماضي يُنقل غالباً في نطاق ضيق داخل المنازل أو تحت الأشجار. وبعد وفاة والده عام 1996، قرر مع إخوته إنشاء مدرسة رسمية لتعليم الوينغ تشون، في محاولة لتحويل التوارث التقليدي من التعليم الخاص إلى أسلوب أكثر انفتاحاً.

كما شارك ياو تشونغ تشيانغ لسنوات في نشر ثقافة الوينغ تشون في فوشان، وساهم في تعزيز التواصل بين مختلف المدارس. وأوضح أنه بصفته أحد المشاركين في تأسيس جمعية الوينغ تشون في فوشان، عمل مع رواد هذا الفن على إعداد ملف إدراج الوينغ تشون في فوشان ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي الوطني، إضافة إلى تنظيم فعاليات ومسابقات دولية تجمع مدارس الفنون القتالية المختلفة.

ولا يقتصر توارث الوينغ تشون على مدارس الفنون القتالية، إذ أصبحت كيفية تعريف الشباب بهذا الفن التقليدي محوراً جديداً للاستكشاف. وفي فوشان، تحولت الجامعات إلى مساحة تربط بين الثقافة التقليدية والجيل الجديد.

ويُعد جين تشي كون أحد حَمَلة التراث الثقافي غير المادي لفن الوينغ تشون في منطقة تشانتشنغ، كما يعمل مدرساً للفنون القتالية في جامعة فوشان. وبعد أن تتلمذ على يد ياو تشونغ تشيانغ عام 2012، أدخل أسلوب "الوينغ تشون الثعباني" لعائلة ياو إلى الفصول الجامعية، ما أتاح للطلاب الذين ليست لديهم خلفية في الفنون القتالية فرصة التعرف على هذا الفن.

وأشار جين تشي كون إلى أن كثيراً من الطلاب في البداية تعاملوا مع الوينغ تشون كمادة رياضية عادية، لكنهم مع التعمق في التدريب بدأوا يكتشفون ما وراء الحركات من فلسفة تتعلق بالجسد وطريقة التعامل مع الحياة. ويرى أن ما يجذب الشباب ليس التقنيات القتالية وحدها، بل الحكمة الثقافية الكامنة وراءها.

وأوضح أن الوينغ تشون نشأ في بيئة محدودة المساحة، ولذلك يعتمد على استخدام المرونة وتوجيه قوة الخصم بدلاً من مواجهتها بشكل مباشر. ومن خلال شرح هذه المبادئ، يسعى إلى تعريف الطلاب بفكرة الحفاظ على الهدوء والتعامل بمرونة مع التحديات، بما يجمع بين التدريب القتالي والتربية الإنسانية.

فيما يحرص الجيل الأكبر من حَمَلة هذا التراث على صون جذور الوينغ تشون، يفكر الجيل الشاب في كيفية جعل هذا الفن القتالي التقليدي أقرب إلى حياة الناس المعاصرة.

ويُعد لونغ هاي شنغ أحد حَمَلة الجيل الرابع لأسلوب "الوينغ تشون الثعباني" لعائلة ياو، كما يشغل منصب مدير فرع قويتشنغ. وبعد سنوات من تعلم الفنون القتالية التقليدية، بدأ يستكشف أساليب تعليمية أكثر ملاءمة لاحتياجات الناس في العصر الحديث.

وأوضح لونغ هاي شنغ أن تعلم الفنون القتالية في الماضي كان يعتمد غالباً على التزكية بين المعارف ونظام التتلمذ، بينما يحاول الجيل الجديد من حَمَلة هذا الفن اليوم خفض عتبة التعرف عليه، حتى يتمكن المزيد من الناس من الاقتراب من الوينغ تشون.

وأشار إلى أن أسلوب عائلته يتميز بالليونة والانسيابية، وأن الممارسة الطويلة لا تساعد فقط على تعلم التقنيات القتالية، بل يمكن أن تسهم أيضاً في تحسين بعض المشكلات الجسدية الشائعة لدى الإنسان المعاصر، مثل انحناء الرأس إلى الأمام وتقوس الصدر.

ومع تغير احتياجات المتعلمين، يواصل لونغ هاي شنغ تعديل أساليب التعليم. فإلى جانب التدريب في قاعة الفنون القتالية، يتوجه أيضاً إلى المجتمعات المحلية والمدارس، لنقل الوينغ تشون من نطاق التدريب المتخصص إلى الحياة اليومية.

وخلال مشاركاته في التبادلات الخارجية، لاحظ لونغ هاي شنغ أن المتعلمين في الخارج يولون اهتماماً كبيراً بالتدريب الأساسي ويلتزمون بالممارسة طويلة الأمد، كما يتعاملون مع الفنون القتالية بروح من الاحترام والانفتاح. ويرى أن الوينغ تشون لا ينقل المهارات القتالية فقط، بل يصبح أيضاً وسيلة للتواصل بين الثقافات المختلفة.

أسهمت الأعمال السينمائية والتلفزيونية في تعريف مزيد من الناس حول العالم بفن الوينغ تشون، لكن استمراره لأكثر من قرن يعود إلى جهود أجيال متعاقبة من حَمَلة هذا الفن في الحفاظ عليه وتجديد أساليب نشره.

يحافظ ياو تشونغ تشيانغ على جذور المهارات المتوارثة في عائلته، ويستكشف جين تشي كون سبل بناء جسور بين الثقافة التقليدية والشباب، بينما يحاول لونغ هاي شنغ جعل الوينغ تشون أكثر قرباً من الحياة العصرية. ومن خلال خياراتهم المختلفة، يواصل الثلاثة كتابة قصة جديدة لتوارث هذا الفن في العصر الحديث.

من التوارث الشفهي بين المعلم والتلميذ في الماضي، إلى دخوله اليوم الجامعات والمجتمعات ووصوله إلى متعلمين في مختلف الدول، تغيرت طرق انتشار الوينغ تشون، لكن القيم التي يحملها، مثل احترام المعلم، والتغلب على القوة باللين، والسعي إلى تطوير الذات، ما زالت مستمرة.

وبالنسبة إلى العديد من المتعلمين في الخارج، لا يمثل الوينغ تشون مجرد فن قتالي صيني، بل نافذة للتعرف على الثقافة الصينية. فمن خلال التدريب والتبادل، أصبحت هذه المهارة التقليدية جسراً يربط بين أشخاص من خلفيات وثقافات مختلفة.

وتتواصل قصة الوينغ تشون المتجذرة في فوشان، لتثبت أن الثقافة التقليدية ليست مجرد ذكرى من الماضي، بل تراث حي يتجدد مع الزمن، بفضل الأجيال التي تحافظ عليه وتبحث عن طرق جديدة لمشاركته مع العالم.

تعليقات